سفر وداع وطن

     لقد اعتدت السفر منذ الصغر وحيدا فكلما اقتربت العطل الا و أجمع حقيبتي و اقصد المحطة الطرقية حتى أصبح السفر هوايتي المفضل، فقد زرت خلال العطل الكثير من المدن المغربية و لم أحس يوما بمرارة الفراق و لا بلوعة البعد ذلك أني كنت حديث العمر و لم يكن للعواطف في قلبي الصغير متسع لقساوة الحياة التي عشتها و مرارة اليتم التي تجرعتها . 

و لما اشتد صلبي و قوي عودي و امتلأ قلبي بالعواطف و الأحاسيس و هجر الهجر و الجفاء و القسوة بحب حبيب و مجالسة لبيب، أصبحت لا أقوى على مدافعة الدموع و لا مدارات الهموم و لا إخفاء المشاعر و الأحاسيس، فلما ازفت ساعة الرحيل و البعد عن الوالد و الولد و الزوجة و الاخوان و الاصحاب طفت الدموع و غمرت العيون و جاور القلب الحنجرة و تزاحمت المشاعر

و تذكرت سبب خروجي من بلدي مكرها غير مختار و تذكرت وقوف النبي صلى الله عليه و سلم في اطراف مكة مخاطبا إياها ” و الله إنك لمن أحب بلاد الله الي و لولا أن قومك أخرجوني ما خرجت” قد يقول قائل و كيف اخرجوك و أنت خرجت مختارا غير مكره،كلا و الله لقد خرجت مكرها غير مختار فقد مضى عقد من الزمن على إنهاء دراساتي الجامعية و ما من حرفة إلا و لي فيها نصيب رغم قسوة بعضها و إنحطاط بعضها و عز بعضها ، و لقد اجتزت الكثير من المباريات خلال هذا العقد، بل لم يبق بيني و بين الحصول على وظيفة تضمن لي العيش الكريم إلا جرة قلم .أوليس هذا كافيا على اعتبار سفري اكراه لا اختيار ؟ و من جرب البطالة و العطالة و خبرهما سيفهم قصدي و يعرف مرادي.

و لم تنتشلني من بحر الدموع و الاحزان إلا قصيدة للإمام الشافعي رحمه الله :

ما في المقام لذي عقل و ذي أدب 

من راحة فدع الأوطان و اغترب

سافر تجد عوضا عمن تفارقه

و انصب فإن لذيذ العيش في النصب

إني رأيت وقوف الماء يفسده

إن سال طاب و إن لم يجر لم يطب

و الأسد لولا فراق الغاب ما افترست

و السهم لولا فراق القوس لم يصب

و الشمس لو وقفت في الفلك دائمة

لملها الناس من عجم و من عرب

و التبر كالترب ملقى في أماكنه

و العود في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرب هذا عز مطلبه

و إن تغرب ذلك عز كالذهب